ابن أبي الحديد

114

شرح نهج البلاغة

والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك ، من حكومة عادلة ، أو سنة فاضلة ، أو أثر عن نبينا صلى الله عليه وآله ، أو فريضة في كتاب الله فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها ، وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا ، واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك ، لكيلا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها . * * * الشرح : قد اشتمل هذا الفصل على وصايا نحن شارحوها منها قوله عليه السلام : " إياك وما يعجبك من نفسك والثقة بما يعجبك منها " قد ورد في الخبر : ثلاث مهلكات : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه " وفى الخبر أيضا : لا وحشة أشد من العجب " وفي الخبر : الناس لآدم ، وآدم من تراب ، فما لابن آدم والفخر والعجب ! " . وفي الخبر : " الجار ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة " وفى الخبر - وقد رأى أبا دجانة يتبختر : " إنها لمشية يبغضها الله إلا بين الصفين " . ومنها قوله : " وحب الإطراء " ناظر المأمون محمد بن القاسم النوشجاني المتكلم ، فجعل يصدقه ويطريه ويستحسن قوله ، فقال المأمون : يا محمد ، أراك تنقاد إلى ما تظن أنه يسرني قبل وجوب الحجة لي عليك ، وتطريني بما لست أحب أن عليه السلام أطرى به ، وتستخذي لي في المقام الذي ينبغي أن تكون فيه مقاوما لي ، ومحتجا على ، ولو شئت أن أقسر الأمور بفضل بيان ، وطول لسان ، وأغتصب الحجة بقوة الخلافة ، وأبهة الرياسة لصدقت وإن كنت كاذبا ، وعدلت وإن كنت جائرا ، وصوبت وإن كنت مخطئا ،